السيد محمد تقي المدرسي
85
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
مما يعتبر انحرافاً عن السلوك المألوف للشخص العادي . فقد يقصد شخص - وهو يستعمل حقه - ان يضر بغيره ، ولكن لتحقيق مصلحة مشروعة لنفسه ، ترجح رجحاناً كبيراً على الضرر الذي يلحقه بالغير . فقصد الاضرار بالغير في هذه الحالة لا يعتبر تعسفاً ، إذ ان صاحب الحق - بهذا التصرف - لم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص العادي . « 1 » والواقع ؛ إن هذا التفسير يقرب هذا المعيار من كلمات الفقهاء ، حيث جعلوا الاستعمال المتعارف معياراً لعدم التعسف . كما أن مجرد قصد الاضرار لا يمكن ان يكون معياراً ، بل الاضرار بذاته هو المعيار الذي نجده في حديث النبي صلى الله عليه وآله ، حيث خاطب سمرة بن جندب وقال له : أنت رجل مضار . . فإذا كان هناك سبيلان لاستعمال الحق ؛ أحدهما لاينطوي على ضرر بالآخرين ، والسبيل الآخر يضر بهم فاختاره . فهو مضار ، وهو متعسف في استعمال حقه . اما المعيار الثاني ؛ فهو الذي اعتبرناه أفضل معيار انطلاقاً من مبدء العدل وتطبيقاً لحديث " لا ضرر " ، حيث إن الضرر المنفي ليس ضرراً خاصاً بشخص المالك ، بل يعم كل الناس . فإذا تضرر الجار مثلًا بهدم الحائط الذي يفصل بين بيته وبين مالك البيت ضرراً بالغاً ، ولم يكن للمالك مصلحة هامة في هدمه ، فإن ذلك يعتبر من الضرر المنفي بالحديث الشريف . كما أنه لو تضرر الناس بسياقة سيارتك بسرعة أو باحداث ضوضاء في الشارع ، أو باضاءة كشافة باهرة في بيتك وما أشبه . . فليس لك ان تفعل ذلك ، لأنه تعسف . أما المعيار الثالث ؛ والذي يشرحه السنهوري بقوله : كل حق له هدف اجتماعي معين ، فإذا انحرف صاحب الحق في استعمال حقه عن هذا الهدف كان متعسفاً . « 2 » إنه معيار هام يتفق مع قيم الشريعة ، ولكنه لا يرتبط بموضوع العدل وحده ، بل بكل الحكم والعلل التي بيّنها الشرع للاحكام الدينية .
--> ( 1 ) الوسيط في شرح القانون المدني / ج 1 / ص 844 . ( 2 ) المصدر / ص 847 .